اللهم لك الحمد ملء السموات وملء الأرض، وملء ما بينهما، وملء ما شئت من شيء بعد – أهل الثناء والمجد – أحق ما قال العبد – وكلنا لك عبد -، لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد، (يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله وهو الغني الحميد* إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد* وما ذلك على الله بعزيز).
إن الله سبحانه وتعالى خلق الموت والحياة ليبلونا أينا أحسن عملاً وإن الله تعالى كما يبتلي عباده بالسراء كذلك يبتليهم بالضراء، وإن الابتلاء بالسراء والنعم أشد والله على النفس من الابتلاء بالضراء والنقم، فالله سبحانه وتعالى كما سمى الموت فتنة وعذاب القبر فتنة كذلك سمى المال فتنة – والمال نعمة -، وسمى الولد فتنة، وسمى الحياة فتنة، قال سبحانه وتعالى: (واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة وأن الله عنده أجر عظيم) فالله عز وجل إذا ابتلى العباد ابتلاهم بالأدنى ثم بالأعلى، فالله عز وجل لا يبتلي العباد بالنعماء أولاً وإنما يبتليهم بالضراء أولاً، فإن ابتلاهم بالأدنى ولم ينتبهوا ابتلاهم بعد بالأعلى، كما قال سبحانه وتعالى: (ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يضرعون* فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون).
البأساء والضراء كفيلان بالكشف عن نوعية القلب الذي يحمله ذلك المبتلى، البأساء والضراء كفيلان ببيان هذا المبتلى أمام عدوه الأكبر الشيطان الرجيم، إن قسوة القلب لا تظهر بالابتلاء بالنعم، وإنما تظهر بالابتلاء بالنقم، كذلك أدنى درجات تسلط الشيطان على الإنسان إنما يكون عند قلة النعم، ويبلغ هذا التسلط ذروته عند فتح أبواب كل شيء، فمن أغواه الشيطان عند حلول البأساء بأن زين له سوء عمله فهو من التخلص عند النعمة أبعد، ولذلك فإن الله سبحانه وتعالى ينزل البأساء والضراء لكي يكشف عن حقيقة القلب، ومن ثم يكشف عن صلابة ذلك المبتلى أمام الشيطان.
وهذا هو التسلسل الصحيح فإنه لو كان هناك ابتلاء بالنعم لا يظهر من قلبه لين ومن قلبه قاسٍ ولا يظهر كذلك من كان الشيطان متسلطاً عليه تسلطاً كاملاً ومن كان الشيطان متسلطاً عليه تسلطاً قليلاً, والله سبحانه وتعالى أخبرنا أيضاً عن خطورة الابتلاء بالسراء فقال عز وجل: (وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض)، إذا أنعمنا عليه أعرض وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض، أي لله سبحانه وتعالى فإذا كان الرجوع مؤملاً فيه فإنه سيرجع عند البأساء ولن يرجع عند النعماء، إذا لم يرجع عند البأساء والله سبحانه وتعالى قد صور لنا ذلك في سورة الكهف في قصة صاحب الجنتين فقال عز وجل:
(واضرب لهم مثلاً رجلين جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب وحففناهما بنخل وجعلنا بينهما زرعاً* كلتا الجنتين آتت أكلها ولم تظلم منه شيئاً وفجرنا خلالهما نهراً* وكان له ثمر فقال لصاحبه وهو يحاوره أنا أكثر منك مالاً وأعز نفراً) (الكهف: 32 ، 34).
انظر إلى من منحه الله جنتين كفر بالله تعالى وتكبر على المؤمن قائلاً: (أنا أكثر منك مالاً وأعز نفراً)، وقال أيضاً: (وما أظن الساعة قائمة ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيراً منها منقلباً* قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلاً لكنا هو الله ربي ولا أشرك بربي أحداً) كفر بالنعمة فقال له صاحبه: (ولولا إذا دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله إن ترن أنا أقل منك مالاً وولداً* فعسى ربي أن يؤتيني خيراً من جنتك ويرسل عليها حسباناً من السماء فتصبح صعيداً زلقا) (الكهف: 39 ، 40)، وصار ما قاله ذلك المؤمن: (فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها وهي خاوية على عروشها ويقول ياليتني لم أشرك بربي أحدا).
إذا نظرنا في أصناف الناس عند البلاء لوجدنا أنهم يتنوعون أنواعاً. فهم رغم أن البلاء الذي حل بهم واحد إلا أن أصنافهم مختلفة، متباينة، فليس كلهم يستقبل البأساء والضراء بصورة واحدة بل بصور شتى وفرق متعددة:
الفريق الأول: هو صنف ينتفع بالهزات، ينتفع بالمصائب لا يرجع المصائب إلى الظواهر الخارجية، إلى الأسباب الخارجية، بل يرجع المصائب إلى أسبابها الحقيقية فيعرف مكان الداء ومن ثم يسهل عليه العلاج، مثال هذا الصنف الحي ما قاله الله عز وجل – في سورة القلم -: (إنا بلوناهم كما بلونا أصاحب الجنة إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين* ولا يستثنون) جنة كان لها صاحب صالح إذ حان وقت الجذاذ، وقت القطف ترك المساكين يأخذون حقهم من هذه الجنة فخلفه أبناء لم يقيموا وزنا للمساكين بل قبضوا على أيديهم فماذا قالوا، قال هؤلاء الذين ابتلاهم الله عز وجل: (إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة إذا أقسموا ليصرمنها مصبحين ولا يستثنون) تقاسموا بينهم، حلف كل واحد منهم أن يذهبوا مبكرين إلى الجنة فيصرمونها ويأخذون قطفها قبل أن يأتي المساكين (فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون) بينما هم في المنام نزلت آفة من السماء فأصبحت الجنة الخضراء بقعة سوداء، وعندما قاموا من نومهم قاموا مسرعين إلى جنتهم (فتنادوا مصبحين* أن اغدوا على حرثكم إن كنتم صارمين* فانطلقوا وهم يتخافتون) – يتخافتون فيما بينهم والله تعالى يعلم السر وأخفى – (أن لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين* وغدوا على حرد قادرين* فلما رأوها) – أي فلما رأوا الجنة على تلك الصورة السوداء – (قالوا إنا لضالون) – قد أخطأنا الطريق إلى جنتنا – (بل نحن محرومون).
لما استبانوا الطريق مرة أخرى وعرفوا أنها الجنة التي هي لهم، قالوا ليس الأمر كذلك، لم نضل عن جنتنا بل نحن محرومون من ثمر هذه الجنة، وعندها – وهذا هو الشاهد على الصنف الذي ينتفع بالمصائب – (قال أوسطهم ألم أقل لكم لولا تسبحون) قال أخيرهم، قال أعدلهم، قال أكثرهم إيماناً: ( ألم أقل لكم لولا تسبحون)، قال المفسرون: ألم أقل لكم لولا تشكرون نعمة الله عليكم فتعطون المساكين حقهم في هذه الجنة.
(ألم أقل لكم لو لا تسبحون* قالوا سبحان ربنا إنا كنا ظالمين* فأقبل بعضهم على بعض يتلاومون) – أخذ يلوم بعضهم بعضاً على التقصير في حق الله عز وجل – (قالوا يا ويلينا إنا كنا طاغين) عرفوا خطيئتهم فقالوا لقد طغينا وبغينا ولذلك حرمنا الله عز وجل هذه الجنة (إنا كنا طاغين * عسى ربنا أن يبدلنا خيراً منها إنا إلى ربنا راغبون) احتسبوا كل ذلك عند الله في الآخرة وذكروا أنهم راغبون في الله تعالى، قال عز وجل: (كذلك العذاب ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون) وهذا الصنف إذا نزلت البأساء والضراء لا ينقص إيمانه بل يزداد، ما قال الله تعالى عن المؤمنين في سورة الأحزاب: (ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيماناً وتسليماً) لما رأوا البأساء – الجنود التي أتت من كل حدب وصوب، لما زلزلت القلوب قالوا: (هذا ما وعدنا الله ورسوله) وذكر القرآن أن إيمانهم ما نقص بل (وما زادهم إلا إيماناً وتسليماً).
هذا الصنف المبارك، هذا الصنف الخير هو الذي ينتفع بالمصائب فيرجع إلى الله تعالى ويقلب صفحات أعماله فينظر فيها فإذا كان فيها الشر استغفر الله تعالى، وإذا كان فيها الخير استزاد إن هذا هو الذي ينتفع، وعسى كل مبتلى منا يكون كهيئتهم
الصنف الثاني: الصنف الثاني من أصناف الناس عند نزول البلاء صنف متشائم عند نزول العذاب، يتشاءم من الصالحين، يتشاءم من الذين يبغون الصلاح في الأرض، فهو لا يرد المصائب إلى سيئاته بل يرد البأساء والضراء إلى حسنات الصالحين، وهذا متمثل في قول فرعون كما ذكر تعالى في سورة الأعراف: (ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات لعلهم يذكرون)، أخذهم الله تعالى بالجوع ونقص الزروع (بالسنين ونقص من الثمرات لعلهم يذكرون) لعلهم أن يتذكروا ما هم فيه من الباطل، (فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه)، وهذا هو الشاهد: هذا بسبب أعمالنا وبسبب تصرفاتنا وحسن تفكيرنا ( قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه) يتشاءمون من موسى سبحان الله! يتشاءمون من المصلح، قال تعالى: (ألا إنما طائرهم عند الله ولكن أكثرهم لا يعلمون).
وهذا أيضاً متمثل في قصة أصحاب أنطاكية الذين ذكرهم الله تعالى في سورة (يس) لما أرسل الله تعالى إليهم المرسلين الثلاثة: (قالوا إنا تطيرنا بكم) تشاءمنا بكم، نزل علينا الضر، حلت بنا المجاعة وكل ذلك بسببكم، قال المرسلون: (قالوا طائركم معكم أئن ذكرتم) كما قال الله تعالى أيضاً عن قوم صالح: (بل أنتم قوم تفتنون).
هذا الصنف المتشائم الذي لا يضع الأمور في مواضعها، بدلا من أن يتشاءم من ذنوبه يتشاءم من حسنات غيره، هذا الصنف لا ينتفع بالبأساء والضراء، وربما كان هذا الصنف صنفاً مراوغاً في نهاية الأمر، فهو إن نزلت البأساء أبرم العهود والوعود ووعد الناس أن يرجع إلى الله تعالى، وعدهم خيراً، فإذا ذهبت البأساء والضراء عاد إلى ما كان عليه، نكث العهود والوعد، وهذا متمثل في قوم فرعون كما قال تعالى عنهم: (وقالوا مهما تأتنا به من آية لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين* فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد) – على محاصيلهم – (والقمل) – في ثيابهم ورؤوسهم – والضفادع والدم آيات مفصلات فاستكبروا وكانوا قوماً مجرمين* ولما وقع عليهم الرجز قالوا يا موسى ادع لنا ربك بما عهد عندك لئن كشفت عن الرجز لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إسرائيل) – أبرموا العهد والوعد – (فلما كشفنا عنهم الرجز إلى أجل هم بالغوه إذا هم ينكثون).
ماذا قال الله تعالى عن هذا الصنف، قال تعالى: (يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم متاع الحياة الدنيا ثم إلينا مرجعكم فننبئكم بما كنتم تعملون) هذا متاع، أتغترون بهذه الحياة الدنيا، هذا البغي، هذه المراوغة التي تسلكونها إنما هي على أنفسكم، تجرون الويلات عليكم أنتم (إنما بغيكم على أنفسكم متاع الحياة الدنيا).
ولذلك فإن موسى عليه السلام جأر إلى ربه تعالى منهم فقال: (ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم)، فأجابه الله تعالى قائلا: (قد أجيبت دعوتكما فاستقيما ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون) فهذا موسى عليه السلام طلب ألا يبتليهم بعد ذلك بالحسنات، لأن ابتلاءهم بالحسنات لا يزيدهم إلا غيا إلى غيهم فلذلك أهلكهم الله، قال عز وجل: (فانتقمنا منهم فأغرقناهم في اليم ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين).
فأسأل الله عز وجل ألا يجعلنا من الغافلين،