العادات والتقاليد في طاعة الوالدين (8)
أن الأبناء نظرهم مقصور على إتباع الآباء ، وقد نهى الحق سبحانه وتعالى عن ذلك في كتابه في غير آية عابيا عليهم ذلك ، مثل قوله : وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون (البقرة 170) . وقال تعالى : قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون ) الزخرف 23 ، وقال تعالى : ما يعبدون إلا كما يعبد آباؤهم من قبل (هود 109) أي ليس لهم مستند سوى ذلك ، وقال تعالى : ( قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون ) الشعراء 74 . وقال تعالى : قالوا أجئتنا لتلفتنا عما وجدنا عليه آباءنا (يونس 78)
فهم في جميع الآيات قاصرون نظرهم على إتباع الآباء لحسن الظن بهم حتى صار ذلك عادة لهم بل وفخرا في بعض الأحيان يعيرون به من خالفهم !!. ويضربون به المثل ، ومن هنا ندرك لماذا خص الأبوان في الأخبار عن تغيير الفطرة (فأبواه يهودانه أو ينصرانه) ولذلك مقت الله الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله ، ويدخل في هؤلاء الوالدان والسير ورائهم عن غير هدى، وتنفيذ كل ما أردوا مهما كان واقعه ، وأنهم إذا أحلوا لهم شيئا استحلوه وإذا حرموا عليهم شيئا حرموه .
وبالنظر إلى الخليقة فأننا نجد في أساليب التربية الخاطئة أن الناس تبعا لما ألفوه من إتباع الآباء تقليدا وهوى ومحبة للجمود على دين الآباء أو رضاهم . قال تعالى : أهدنا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ. [الفاتحة : 6]
وليس من المستقيم ولا العقل ولا المنطق أن تكون إمعة لا رأي ولا شخصية .. وليس من العقل والحكمة أن تنسلخ من ذاتك وفكرك وخصوصيتك بعد انتهاء وصايتهما عليك ( 21 عاما ) ، أو طاعتهما فيما يضرك بمصالحك وحياتك .
لكن يبقى احترام الوالدين وتقديرهم أساسا ومنهجا عمليا أخلاقيا وأدبيا ودينيا ولا يعني ذلك الإضرار بذاتك أو عمل شيء لا ترغبه ، ولا تؤمن به ، ولا يحقق راحتك وطموحاتك. ومن الاحترام أن تبرهم بما أمكنك الله بلا ضرر ولا ضرار .. وبما تطيق .. فلا يكلف الله نفسا إلا وسعها ... وأن تعطيهم كامل حقوق الرعاية ماداما في حاجة إليك برا ووفاء وخلقا وإيمانا.
الله أرسل الأديان ليخرج الناس من عبودية الناس وذل الناس إلى عبادة الله وعزة الله ... وطاعة الوالدين العمياء بلا تفكير ولا رويه ... مسخ لذاتك ولنفسيتك وشخصيتك التي سيحاسبك الله عليها، ثم أن طاعتهما المطلقة إشراك مخرج من الملة وهذا ما لا يقبله الله.
فطاعتهم في شيء لا تقنع فيه ولا تأمن فيه ولا ترغب فيه ... ظلم ... وتعدي على ذاتك ونفسك وإنسانيتك ... وطاعتهم بما يسبب لك ضرر مادي أو معنوي .. هو من نوع التجبر والظلم ومساعدتهم على ارتكاب معاصي : الظلم والاستبداد ، والإضرار ، وأكل أموال الناس بالباطل .. وكل ذلك لا يرضي الله ورسوله .. ويجيب على ذلك أكرم خلق الله رسول الله صلى الله عليه وسلم بقول وجيز حكيم: 'لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق". والمعصية هنا في أدناها الإضرار بالذات .
مكانة الوالدين في الإسلام ـ وبخاصة الأم ـسامية رفيعة بل الله تعالى قرنها بأعظم الأمور ـ وهي عبادته وتوحيده ـ في كثير منالآيات ـ كما قال تعالى : وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً. [النساء:36] والإحسان لا يعني العبودية ولا الإذلال ولا مسخ وجودك.
أن طاعتهم واجبة عليك بالممكن والمتاح والمباح وبما تطيق، والمتاح بما يمكنك فلا يكلف الله نفسا إلا وسعها، والمباح في كل أمر الذي لا يؤدي إلى عمل كبيرة أو حرام أو معصية. كضرر بحقك أو بحق غيرك. فطاعة الوالدينلا يحد منها إلا أمر واحد هو: أمرهما بمعصية الله ؟ قال تعالى : وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا. ولا يمنع عدم طاعتهما في المعصية ، عدم الإحسان إليهما وبرهما ولكن كما قال تعالى:{وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً} [لقمان:15] المصاحبة لهما مشروطة بالمعروف فقط.